منتدى السادة الأشراف العيساوية
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

اسطورةجميلة

اذهب الى الأسفل

اسطورةجميلة Empty اسطورةجميلة

مُساهمة من طرف محمدجلال عيساوي الخميس 21 فبراير 2013, 6:21 pm





أسطورة جميلة

الشاب "نركسوس" الساحر الوسامة، الفاتن الجمال، المحبوب من كل النساء والرجال، كما تقول الأسطورة الإغريقية، المنشغل عنهم جميعا بذاته، جاحد نعمة أن يكون محبوبا، قاده قدره إلى غدير ليروي عطشه، شاهد صورته على صفحة الماء، تخيل من رآه حورية فاتنة، هام بها، ظل يتردد على الغدير في ضوء النهار أو تحت أشعة القمر ليلا، في كل مرة كان يرى وجهه في صفحة ماء الغدير فيجن جنونه. وزاد من هوسه وقلقه أنه كلما مد يده إلى صفحة الماء ليتحسس الوجه فيه، اختفى وتلاشى، حتى أذبله العشق، قيل إنه مات بجوار الغدير. قيل قذف بنفسه في أعماقه ليعانق الصورة الفاتنة، وقيل تحلل جسده وأنبت بجوار الغدير زهرة صفراء حملت اسمه "نركسوس" أو زهرة النرجس.
كان "نركسوس" هذا معشوقا لحسناء اسمها "إيكو" كانت تتعقبه، ترقبه من بعيد، متيمة به، حاولت مرارا إغراءه والحظوة بحبه لكنه كان يصدها بقسوة. وقد اشتهرت "إيكو" بحديثها العذب الباهر الأخاذ الذي لا يستطيع أحد مقاومة الإنصات إليه على الإطلاق. وقد استخدمت هذه الميزة للتستر على خيانة سيد الأعالي "زيوس" الذي شوهد مع حسناء بارعة الجمال، كانت زوجته "هيرا" قد قيل لها عنها وكانت مستشيطة غضبا تبحث عنه في كل مكان، لكنها حين سألت "إيكو" انكرت رؤيته ومضت تقص عليها ساحر القصص حتى أدركها الليل ونسيت "هيرا" البحث عن زوجها "زيوس" إلى أن لمحته يفر من خلفها بعيدا عنها فأدركت "هيرا" أن "إيكو" خدعتها بفخ حديثها الساحر فعاقبتها، بحرمانها حلاوة الحديث وسلبتها القدرة على الكلام فلم تعد "إيكو" قادرة على المبادرة في الحديث وإنما فقط ترديد المقاطع الأخيرة مما تسمعه من كلام الآخرين كما عاقبتها بتبديد جسدها ولم يبق منها غير الصوت.
لقد فقد "نركسوس" جسده وبقيت زهرة النرجس رمزا رفعه العالم "سيجموند فرويد" عنوانا لنظريته "النرجسية" وتداوله البشر، صرنا نشير إلى كل من احتفى بذاته بإعجاب شديد أنه نرجسي. أما "إيكو" ومعناها "الصدى" فقد فقدت جسدها وحلاوة حديثها كما خسرت حبيبها "نركسوس" لأنها جعلت من كل مميزاتها وسيلة شريرة.
هكذا شاء اليونانيون القدامى ضرب الأمثلة عن مصير من يتنكر للنعمة. فاخترعوا "التلاشي" لجسدي (نركسوس وإيكو)، لأن العقل البشري كان آنذاك في طفولته وكان الخيال وسيلتهم الوحيدة للتصالح مع هذه الظواهر الطبيعية الغامضة والعيش معها دون خوف. غير أن خيال الإغريق كان مغريا موحيا إلى درجة منحته خاصية إنتاج العلم وتعليلاته ومنحته المحافظة في الوقت نفسه على بكارة الحكاية واحتمالاتها وإشارات ورموزا ودلالات مدهشة في مختلف الفنون.. لذلك صمدت هذه الحكايات الأسطورية رغم برهنة العلم على أن الصدى "إيكو" مجرد انعكاس لتردد ذبذبات الأصوات وأن النرجس "نركسوس" زهرة كغيرها من الزهرات أخذت لونها من تفاعل خاص كامن في جذرها وتربتها ومناخ وجودها.
غير أن أسطورة النرجس والصدى لا تغادر مسرح حياتنا اليومية أبدا فهي تسعى بأقدام تمشي فعليا على الأرض، تجد البعض منا يريد لشدة إعجابه بنفسه وغروره بذاته، إشعارك أنه يستطيع أن يخرق الأرض ويبلغ الجبال طولا.. متغطرسا متسلطا على من حوله ناكرا جميلهم وحسن صنيعهم معتبرا خدماتهم أمورا مفروغا منها يستحقها دون شكرهم، فإذا هو بعد حين وقد سئم الناس تعاليه وجفت منابع تسامحهم معه يديرون له عرض أكتافهم فيكتشف وحدته ولا تسعفه كل مرايا العالم بتعويض الناس الذين فقدهم، كما أن فينا من يكتشف فجأة أنه أصبح مجرد ببغاء ثقيلة السمع تلتقط آخر الحديث وتعيد روايته نيابة عن الآخرين مسيئا لمن يروي عنهم وماسخا نفسه، معطلا ملكة التروي وأنه ليس كل ما يسمع يقال وأنه إن كان لا بد من القول فليكن النقل أمينا دقيقا دون تبعات على أحد، غير أن "التنظير" شيء وواقع سلوكنا شيء آخر، لذلك لا يضيرنا العودة بين الحين والآخر إلى تراث الشعوب لنعرف من الأساطير شيئا من دروسها وبعضا من عبرها.. لعلها تحد من إسرافنا على أنفسنا فيما لا طائل من ورائه
محمدجلال عيساوي
محمدجلال عيساوي
كبير مشرفين

عدد المساهمات : 246
نقاط : 440
تاريخ التسجيل : 26/06/2011
العمر : 51
الموقع : momom.forumegypt

http:// momom.forumegypt

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى